<< بحث متقدم

الترم الأول - الوحدة الثالثة اليابس والماء
مقدمة :
يعد توزيع اليابس والماء من الموضوعات التي شغلت أذهان العلماء، ومن هنا فقد كثر حولها الجدل والنقد نظرًا لأن حقيقة الامتداد الفعلي للمسطحات المائية (المحيطات والبحار والبحيرات وغيرها)، والقارات قد ظلت مجهولة لدى سكان العالم القديم حتى بداية الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر الميلادي.. فكان يعتقد أن نسبة مساحة اليابس إلى الماء على سطح الكرة الأرضية هي 1: 3، ولكن الاكتشافات الجغرافية الحديثة في المناطق القطبية ، خاصة في المناطق القطبية الجنوبية قد أسفرت عن وجود أرض يابسة شاسعة المساحة مثل: فكتوريا لاند Victoria Land- وجراهام لاند Graham Land. ولا شك أن إضافة هذه الأراضي الحديثة والاكتشافات إلى اليابس المعروف سوف تقلل الفرق بين نسبة اليابس بكثير. فبناء على أحدث التقديرات نجد أن نسبة مساحة اليابس إلى الماء على وجه الأرض هي 1 : 2.42 ، أو 29.2% لليابس، 70.8% للماء (1) .
نشأة القارات والمحيطات:
وقد أدَّت مسألة تقسيم سطح الأرض إلى يابس وماء دورًا مهمًّا عند المشتغلين بدراسة الأرض ونشأتها منذ القدم، فقد اعتقد بعض المفكرين القدامى أن مساحة اليابس يجب أن تفوق مساحة الماء ما دام الخالق قد صنع الأرض لسكني البشر.
ولقد وضع ماركيتور سنة 1569 م ، نظريته المعروفة بنظرية التعادل وهي تتلخص في أن كتل اليابس تتوازن وتتعادل في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي، كما اعتقد أن مساحة اليابس تساوي مساحة الماء على سطح الأرض. ولقد عاشت نظرية ماركيتور نحو قرن من الزمان إلى أن دحضها تاسمان Tasman حين قام برحلاته الاستكشافية عام 1642م، فاكتشف تسمانيا التي سميت باسمه ومن بعده جيمس كوك Cook الذي اكتشف أراضي قارة استراليا الواسعة. وبذلك عفى الدهر على نظرية التعادل التي وضعها ماركيتور(2).
ثم ظهرت عدة نظريات تنادي بأزلية توزيع اليابس والماء وثباته، وترجع السمات الرئيسية لوجه الأرض إلى أحداث كونية هائلة تحيط بالأرض فجأة، ومن هذه النظريات: نظرية فيشر، ونظرية هارسيون وجلفاري.
ومن النظريات التي لاقت اهتمامًا لتفسير توزيع اليابس والماء من قبل الجغرافيين والجيولوجيين النظرية التتراهيدية(1) والتي نادى بها لوثيان جرين Lawthian Green في منتصف القرن التاسع عشر، وقد افترض صاحب النظرية أن الأرض كانت في حالة سائلة ثم بدأت تبرد وتتصلب وتنكمش، وعندما انكمشت اتخذت شكل المنشور الثلاثي، وهكذا تكونت القارات في الأجزاء المرتفعة من أضلاع المنشور، بينما تكونت المحيطات في الأجزاء المنخفضة المقابلة. وهذا الوضع وإن كان يتفق إلى حد كبير مع التوزيع الحالي لليابس والماء إلا أن النظرية تجانب الحقيقة فيما يتعلق بطبيعة الأرض، ذلك لأن دوران الأرض حول نفسها لا يسمح لها باتخاذ شكل المنشور ، وحتى لو حدث هذا فإن قوة الدوران تعيد للأرض شكلها الكروي مرة أخرى(1).
ولعل من أبرز النظريات التي تحاول تفسير توزيع اليابس والماء نظرية زحزحة القارات، والتي نادى بها العالم الألماني الفريد فاجنر Alfred Wegner عام 1912م، وتنص هذه النظرية على أن مادة الجبال التي تتألف منها كتل القارات الحالية كانت في أول الأمر كتلة واحدة ، ثم انفصلت إلى أجزاء أخذت تتباعد بالتدريج حتى استقرت في مواضعها الحالية وكونت القارات. وتفسر هذه النظرية تكوين القارات بأنه حدث نتيجة تكسر هذه الكتلة وتزحزحها في حركة أفقية على غرار تزحزح الأجسام الطافية فوق السائل(2).
(1) يسري الجوهري، أسس الجغرافيا الطبيعية، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1986، ص 139.
(2) جودة حسنين جودة، معالم سطح الأرض، مرجع سبق ذكره، ص 746.
(1) تعني كلمة تتراهيد : المنشور الثلاثي، وهو أنسب الأشكال التي يجتمع لها أكبر سطح لأصغر حجم.
وقد ذكر فاجنر أن اليابس كان يمثل كتلة واحدة أطلق عليها اسم بنجايا Pungaea، وكان تلك الكتلة الكبيرة من اليابس تتألف من قسمين كبيرين:
1- قسم شمالي كان يشمل أوراسيا وأمريكا الشمالية ، اللتين كانتا متصلتين وتكونان معًا ما أسماه فاجنر بقارة لوراسيا Laurasia.
2- قسم جنوبي كان يتكون من أستراليا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ومدغشقر وشبه جزيرة الهند وقارة انتاركتيكا.
وكانت تلك الكتل القارية متصلة ببعضها تمام الاتصال ، مكونة كتلة قارية كبيرة هي التي أطلق عليها فاجنر اسم قارة جندوانا Gondwana، وكان يفصل هذين القسمين بحر داخلي كبير هو بحر تتس Tethys. ولكن ليس معني ذلك أن هذا البحر كان يفصل كلاًّ من قارة لوراسيا عن جندوانا فصلاً تامًّا ، بل كان كلاهما عبارة عن كتلة واحدة هي كتلة بنجايا ، يحيطها محيط واسع كان يشغل الجزء الأكبر من مساحة سطح الكرة الأرضية وقد تعرفت كتلة بنجايا عقب انتهاء العصر الكربوني إلى انكسارات عديدة حدثت على نطاق واسع، ثم تزحزحت أجزاؤها المنكسرة عن مواضعها نتيجة لقوتين رئيسيتين: قوة الطرد ، التي دفعت بالكتل المنكسرة جنوب خط الاستواء وهي التي أدت إلى تحرك أستراليا والهند وبلاد العرب وأفريقيا ومدغشقر نحو الشمال (كانت هذه الكتلة بالإضافة إلى كتلة قارة أنتاركتيكا تكون قارة جندوانا التي استمرت كقارة متكاملة حتى بداية العصر الجوراسى، ولكنها تعرضت لانكسارات عديدة خلال العصريين الجوراسي والكريتاسي ، مما سبب تزحزح أجزائها المنكسرة صوب الشمال). أما القوة الثانية فهي قوة المد التي تتولد عن جذب الشمس والقمر للأرض. وهي التي سببت تزحزح الأمريكتين صوب الشمال(3).
(1) يوسف عبدالمجيد فايد، محمد صبري محسوب: جغرافية البحار والمحيطات، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1993م، ص 27.
(2) يسري الجوهري، أسس الجغرافيا الطبيعية، مرجع سبق ذكره، ص 139.
(3) المرجع السابق، ص 140.
أهمية توزيع اليابس والماء:
نظرًا لأن المسطحات المائية (البحار والمحيطات) تغطي 70.8% من سطح الأرض، في حين أن اليابس (القارات) يغطي 29.2% فإن هذا التوزيع لليابس والماء يعد حدثا جغرافيًّا عظيم الأهمية يعادل في أهميته شكل الأرض الكروي. وأن أي تغيير يطرأ على توزيع القارات والمحيطات فإنه يهدم الترتيب الحالي للأقاليم المناخية على سطح الأرض، ويغير جغرافية النبات والحيوان( ) وتضاريس الأرض، وبالتالي يؤثر في توزيع البشر على سطح الأرض ونشاطهم ومظاهر حياتهم وطرق معيشتهم( ).
التوزيع الحالي لليابس والماء:
تبلغ مساحة الكرة الأرضية 510 مليون كم2 ، ويحتوي سطح الكرة الأرضية على يابس وماء.
واليابس هو الأجزاء المرتفعة من سطح الكرة الأرضية والتي لم تتمكن المياه من غمرها. وتبلغ مساحة اليابس 149 مليون كم2 ؛ أي بنسبة 29.2% من مساحة سطح الكرة الأرضية، ويطلق على هذه المساحات العظيمة من اليابس اسم القارات.
عزيزي القارئ تأمل خريطة العالم، وسوف تلاحظ توزيع اليابس والماء الذي سيتميز بالآتي:
1- أن مساحة الماء أكبر بكثير من مساحة اليابس ، فمساحة الماء تشغل 70.8% من جملة مساحة الكرة الأرضية، بينما يشغل اليابس 29.2% فقط.
2- أن هناك سبع كتل قارية هي: آسيا وأوروبا (ويطلق عليها معًا اسم أوراسيا)، وأفريقيا، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وأستراليا، ثم القارة القطبية الجنوبية (انتاركتيكا).
3- يوجد أربعة محيطات على سطح الكرة الأرضية هي :
* المحيط الهادي الممتد شمالاً إلى مضيق برنج ، حيث تقترب أوراسيا وأمريكا الشمالية من بعضهما .
* المحيط الأطلنطي الذي يفصل الأمريكتين عن أوروبا وأفريقيا ، ويضيق في المنطقة الاستوائية ، ويتسع ثانية في الشمال لينتهي في المحيط الشمالي .
* المحيط الهندي الممتد جنوب آسيا وشرق أفريقيا .
* المحيط المتجمد (أو القطبي) الشمالي ويقع شمال أوراسيا ، ويبدو هذا المحيط في شكل مستدير يحيط بالدائرة القطبية الشمالية .
4- يتركز نحو 43% من بحار العالم ومحيطاته في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ، بينما يوجد 57% في النصف الجنوبي . كما نجد أن نحو 75% من اليابس يقع إلى الشمال من خط الاستواء ، وخاصة حول المحيط المتجمد الشمالي ، بينما يوجد 25% إلى الجنوب من ذلك الخط .
(1) يطلق عليها الجغرافيا الحيوية.
(2) صلاح الدين عمر باشا وآخرون ، مرجع سبق ذكره ، ص 37 .
5- أن اليابس في نصف الكرة الشرقي أكثر منه في نصفه الغربي ، وهذا اليابس الواقع في النصف الشرقي يتصل بعضه ببعض على شكل كتلة كبرى ، فأوروبا تتصل بآسيا اتصالاً وثيقًا ، وتكونان معًا قارة ضخمة نسميها أوراسيا ، وهذه القارة تمتد إلى الشمال من قارة أفريقيا ، بحيث لا يفصلها إلا بحران ضيقان نسبيًّا ؛ هما : البحر الأحمر والبحر المتوسط .
6- إن توزيع اليابس والماء غير متعادل في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي ، فمساحة يابس النصف الشمالي أكبر كثيرًا من مساحة يابس النصف الجنوبي (حوالي ثلاث عشرة مرة قدر مساحة اليابس في النصف الجنوبي) .
وقد كان لتركز أكبر قسم من اليابس في النصف الشمالي من الكرة الأرضية أثر كبير في تاريخ النشاط البشري ، فالحضارات الكبرى القديمة والحديثة قامت كلها في النصف الشمالي ، وهذه الحضارات نشأت من اختلاط الشعوب في هذا «الربع الشمالي» ، كما يقول «ابن خلدون» نتيجة تقارب مواطن البشر بعضها من بعض ؛ ومثل هذا الاختلاط بين الشعوب غير ممكن في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية ؛ بسبب تباعد القارات عن بعضها ، وسعة رقعة البحر في النصف الجنوبي . ولو كان المحيط الأطلنطي ضيقًا في وسطه كما هي الحال في الشمال لما تأخر إعمار أمريكا بالأوروبيين ، وازدهارها بالحضارات حتى القرن السادس عشر ؛ إذ أن العرض القليل لهذا المحيط في الشمال مكن النورمانديين منذ القرن العاشر من التعرف على شاطئ لبرادور Labrador في كندا .
كما أن القرابة بين الشعوب البدائية القاطنة في أقاصي البلاد الشمالية الصالحة للسكن من أمريكا أو أوروبا أو آسيا ، تدل على أن هجرات الشعوب كانت سهلة من قارة إلى أخرى، وهذا أيضًا بسبب تقارب القارات في الشمال ، وكذلك فإن المنطقة الكبرى للغابات في النصف الشمالي من الأرض تضم الفصائل نفسها من الأشجار كالصنوبر والسنديان والعرعر ، وكذلك يجد علماء الحيوان في هذا النصف الشمالي الأنواع نفسها من الحيوان أيضًا.
فتتخذ القارات في مجموعها شكل مثلث إحدى رءوسه نحو الجنوب ، كما هو واضح في الأمريكتين وفي أفريقيا ، أما أوراسيا فنظرًا لضخامتها فإن شكل المثلث لا يظهر فيها بوضوح ، ولكن يمتد منها نحو الجنوب شبه جزيرة الهند التي تقترب كثيرًا من شكل المثلث ، كما يمتد منها أيضًا نحو الجنوب شبه جزر العرب والملايو ، كما هي الحال في البلقان وإيطاليا وأيبريا .
7- إن الماء هو السائد بعد خط عرض 50 جنوبًا ، حتى نصل إلى خط عرض 60 جنوبًا ، وهذا الأخير هو خط مشهور عند الجغرافيين بأن الماء عنده يحيط بالكرة الأرضية ويكاد لا يوجد يابس .
8- يتضح من خريطة العالم أن المحيطات تتداخل بين القارات بشكل يجعل اليابس والماء أشبه بألسنة متداخلة بعضها في بعض . ونجد شكل المثلث صحيحًا أيضًا في المساحات المائية ؛ إذ نستطيع أن نتبين مثل هذا المثلث في المحيط الهادي ، وفي معظم البحار المتفرعة منه . كما نتبينه في المحيط الهندي في بحر العرب وخليج البنغال ، وفي حوض البحر المتوسط . أما المحيط الأطلنطي فيتمشى جزءه الشمالي مع هذه القاعدة؛ إذ ظهر فوق سطح مائه ذلك المرتفع الممتد بين جرينلاند وأيسلندة وأسكتلندة .
وتجدر الإشارة إلى أنه إلى الجنوب من خط عرض o40 جنوبًا تقريبًا يسمى النطاق المائي باسم المحيط الجنوبي .
9- إذا ما قسمنا سطح الكرة الأرضية إلى نطاقات يشمل كل منها خمس دوائر عرضية، نجد أن توزيع اليابس والماء في النطاق الذي يقع بين دائرة عرض o10 ، o20 شمالاً يماثل متوسط توزيع اليابس والماء على سطح الأرض . وفي النطاق الذي يقع بين خطي عرض o20 ، o70 شمالاً تزيد مساحة اليابس على مساحة الماء ؛ إذ لا تصل مساحة المياه في ذلك النطاق إلى نصف مساحته الكلية . وفي نطاق الدائرة القطبية يشغل اليابس 75% من المساحة الكلية ، ويسود وجود الماء في النطاقات الاستوائية والمدارية؛ إذ يشغل من مساحتها نحو 75% ، أما إلى الجنوب من خط o35 جنوبًا حيث ينتهي اليابس الإفريقي والاسترالي فإن المسطحات المائية تعطي 60% من المساحة الكلية ، وفيما بين دائرتي عرض o56 ، o60 جنوبًا لا نجد سوى الماء إذا استثنينا مجموعة جذر ساندويتش South Sondwich الجنوبية الفقيرة المساحة .
وإذا درسنا خريطة العالم ، نجد أن اليابس يكون حلقة حول المحيط القطبي الشمالي . وهذه الحلقة هي شبه مغلقة ؛ لأن الفتحة المتسعة الوحيدة التي بها وهي الواقعة بين المحيط الأطلنطي والمحيط الشمالي وهي فتحة ضخمة لوجود مرتفع غاطس بها وأعلى قممه هي أيسلندة وجزر فارو ، كما أن الفتحات الأخرى التي بهذه الحلقة فتحات ضيقة أهمها مضيق برنج الواقع بين آسيا ، وأمريكا الشمالية ومضيق سميث الواقع غرب جرينلاند ، والمضايق الموجودة بين الأرخبيل الأمريكي الشمالي .
وإذا نظرنا إلى اليابس من طرفه الشمالي الأقصى ، فإننا نجده يمتد نحو الجنوب امتدادًا يشبه ثلاثة أذرع كبيرة ، إحداها تشمل الأمريكتين ، والأخرى تشمل أوروبا وإفريقيا ، والثالثة تشمل آسيا ممتدة في الملايو وأستراليا .
كما يتضح لنا من خريطة العالم أن القارة القطبية الجنوبية مفصولة انفصالاً كبيرًا عن بقية اليابس بواسطة المحيط الجنوبي .
وهناك محاولة أخرى لتقسيم سطح الكرة الأرضية إلى شطرين، أحدهما: يشتمل على المساحة الكبرى من اليابس يسمى بالنصف القاري ، ويقع مركزه حول مصب نهر اللوار في غرب فرنسا( ) وفيه يتركز نحو 83% من المساحة الكلية للقارات ، أما النصف الثاني فيشتمل على المساحة الكبرى من المياه ويسمى لذلك بالنصف المائي ، ويقع مركزه عند جزر الأنتيبود إلى الجنوب الشرقي من نيوزيلندا ، وفيه تبلغ المياه 90.5% .
(1) حدد ريتر Ritter أن مركز هذا النصف المشتمل على أكبر مساحة من اليابس يوجد في قارة أوروبا قرب مدينة نانت في فرنسا .
- World Development Indicators 2001, Washington, U.S.A 2002.
يتضح من الجدول السابق ما يلي :
1- أن قارة آسيا تحتل المرتبة الأولى بين قارات العالم من حيث المساحة ، تليها قارة إفريقيا في المرتبة الثانية ، بينما احتلت قارات أمريكا الشمالية ، وأمريكا الجنوبية ، وانتاركتيكا ، وأوروبا ، وأستراليا المراكز من الثالث حتى السابع .
2- أن أكثر القارات امتدادًا من الشمال إلى الجنوب هي قارة أمريكا الجنوبية وتليها قارة إفريقيا .
3- أن أكثر القارات امتدادًا من الشرق إلى الغرب هي قارة آسيا وتليها قارة إفريقيا .
ويتضح من خلال دراسة خريطة العالم أن كل مساحة من اليابس يقابلها من الناحية المضادة من سطح الأرض مساحة من الماء مع استثناء بسيط . فالقارة القطبية الجنوبية يقابلها المحيط القطبي الشمالي ، وإفريقيا وأوروبا يقابلهما وسط المحيط الهادي وجنوبه . وإذا استثنينا بعض المناطق نجد أن آسيا يقابلها الجزء الشرقي من المحيط الهادي الجنوبي وجزء من غرب المحيط الأطلنطي الجنوبي ، وأستراليا يقابلها المحيط الأطلنطي الشمالي .
أما أمريكا الشمالية فيقابلها جانبًا من المحيط الهندي ، والمساحة المجاورة من المحيط الجنوبي ، والجزء الشمالي من أمريكا الشمالية يقابلها بحر الصين وغرب المحيط الهادي ، أما الجزء الجنوبي منها فيقابله أجزاء من الصين وهو أهم استثناء من هذه القاعدة ، حتى أننا نستطيع أن نقول إن حوالي 0.03 فقط من اليابس هو الذي يقابله يابس في الجهة المضادة له من سطح الأرض .
(*) المصدر : يوسف فايد ، مرجع سبق ذكره ، ص 75 .
التوزيع الجغرافي للبحار والمحيطات :
تشغل البحار والمحيطات مساحة تقدر بنحو 361 مليون كم2 ؛ أي ما يعادل 70.8% من مساحة الكرة الأرضية ، وتضم البحار والمحيطات مياهًا يقدر حجمها بحوالي 1348 مليون كيلو متر مكعب تقريبًا ؛ لذلك يطلق بعض العلماء على الأرض اسم « الكوكب المائي » .
وتشكل البحار والمحيطات وحدة طبيعية واحدة متصلة ، يمكن تسميتها بمحيط العالم The World Ocean .. يستثنى من ذلك البحار المغلقة الممتدة فوق الكتل القارية ، مثل قزوين ، آرال ، والبحر الميت ، والتي يمكن اعتبارها بحيرات في هذه الحالة ، ويقسم سطح الماء إلى محيطات وبحار .
وفيما يلي دراسة كل منهما :
أولاً : المحيطات :
المحيطات هي تلك المسطحات المائية الشاسعة العظيمة الاتساع ، التي تتصل ببعضها البعض عن طريق فتحات واسعة . وهذه الفتحات من شأنها أن تحدث نوعًا من التقارب والتشابه بين المحيطات في حرارة الماء وملوحته ، وتمتاز المحيطات كذلك بعمقها الكبير الذي يبلغ بضعة كيلومترات ، كما تمتاز بتحرك المياه فيها على شكل تيارات بحرية تتجه اتجاهات خاصة ، ومن أجل هذا نجد أن الأنهار التي تصب فيها لا تكوِّن دالات عادة إلا في حالات معينة كحالة المحيط الهندي .
أهم المحيطات في العالم هي :
المحيط الهادي Pacific Ocean :
يعد أكبر المحيطات وأوسعها، حيث تبلغ مساحته 165.4 مليون كم2 ، أو ما يقترب من ثلث مساحة سطح الكرة الأرضية . وهو محيط بيضاوي الشكل يبلغ طوله 10 آلاف ميل ، ويعبره خط الاستواء ، ويشغل مساحة من الأرض تفوق مساحة الأراضي التي تقع بين الأمريكتين في الشرق ، وقارتي آسيا وأستراليا في الغرب ، ويبلغ عمقه كما يتضح من الجدول رقم (5) نحو 11524 مترًا ، ويتصل بالمحيط الهادي عدد من البحار الهامشية ، أهمها : من الشمال إلى الجنوب بحر اختسك، وبحر اليابان، والبحر الأصفر، وبحر الصين الجنوبي ، وبحر سولو ، وبحر جاوه ، وبحر كورال في شمال شرق أستراليا ، وتنتشر الجزر في المحيط الهادي بشكل كبير ، حيث يبلغ عدد هذه الجزر أكثر من 20 ألف جزيرة .
المحيط الأطلنطي Atlantic Ocean :
ثاني المحيطات مساحة بعد المحيط الهادي ، وتبلغ مساحته 82.2 كليون كم2 ، وهو أقل عمقًا من المحيط الهادي ، حيث يبلغ عمقه نحو 9560 مترًا ؛ وذلك لاتصاله بمجموعة من البحار الضخمة مثل خليج المكسيك والبحر الكاريبي والبحر الأبيض المتوسط ، وبحر الشمال ، ويعد المحيط الأطلنطي أكثر المحيطات امتدادًا من الشمال إلى الجنوب ، حيث يمتد من المحيط المتجمد الشمالي في نصف الكرة الجنوبي وحتى المحيط الجنوبي الذي يقع إلى الشمال من قارة انتاركتيكا في نصف الكرة الجنوبي .
ويبدو المحيط الأطلنطي على شكل جرف ينحسر من جهة الشرق بين أوروبا وإفريقيا من ناحية ، ومن جهة الغرب بالأمريكتين من ناحية أخرى . ويتصل في الشمال بالمحيط المتجمد الشمالي ، الذي يشار إليه في بعض الأحيان على أنه خليج المحيط الأطلنطي Gulf Atlantic مثلما يشار إلى قارة أوروبا على أنها شبه جزيرة لقارة آسيا .
المحيط الهندي Indian Ocean :
ثالث المحيطات مساحة ، حيث تبلغ مساحته 73.5 مليون كم2 ، ويصل عمقه نحو 9000 متر ، وتطل عليه شواطئ الهند الجنوبية وشرق إفريقيا وجنوب استراليا ، ويتصل بالمحيط الأطلنطي والمحيط الهادي والمحيط الجنوبي (محيط انتاركتيكا) ، الذي يعزل قارة انتاركتيكا المتجمدة ، وتتصل به بعض البحار الهامشية مثل : خليج عُمان ، بحر العرب ، والبحر الأحمر وخليج عدن ، وخليج البنغال .
المحيط القطبي (المتجمد الشمالي) Aractic Ocean :
أصغر المحيطات مساحة ، حيث تبلغ مساحته 14.1 مليون كم2 ، وينظر إليه كأنـه بحر داخلي، حيث تطوقه سواحل القارات من كل الجوانب ويقع فيه القطب الشمالي، ولا يتصل بالمحيطات الكبرى إلا عن طريق مضايق بحرية ، ويصل عمقه نحو 5450 مترًا.
ثانيًا : البحار :
البحار هي مساحات مائية أصغر كثيرًا من المحيطات في اتساعها وأعماقها حتى أن بعضها يعد ضحلاً في جميع جهاته . ومياه البحار عادة أهدأ من مياه المحيطات ، ولا نجد فيها تيارات كثيرة إلا في حالة البحار المتصلة بالمحيطات بفتحات واسعة ، لأن هذه الفتحات تجعل بحارها تتأثر بالمحيط إلى حد كبير . وبما أن البحار أقل عمقًا ، وأهدأ من المحيطات فإن كثيرًا من الأنهار التي تصب في البحار استطاعت أن تبني لنفسها دالات كبيرة ، وهذا يعتبر من أوجه الخلاف بين البحار والمحيطات .
وتقسم البحار على أساس موقعها وشكلها العام إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي(1) :
( أ ) بحار خارجية :
وهي تلك البحار التي تقع في الأرصفة القارية( ) وتكون ذات فتحات واسعة تصلها بالمحيطات ، فتتأثر بهذه المحيطات في درجة ملوحتها ودرجة حرارتها وتياراتها البحرية مثل : بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان في شرق آسيا وبحر الشمال في غرب أوروبا والبحر الكاريبي في شمال أمريكا الجنوبية . وهذه البحار الخارجية تتشابه إلى حد كبير مع المحيطات في درجة حرارة الماء وفي الملوحة عامة .
(1) يوسف فايد ، الأسس العامة للجغرافيا ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 79 – 80 .
(2) الرصيف القاري هو تلك المناطق من اليابسة والممتدة تحت مياه البحار والمحيطات .
(ب) بحار قارية أو داخلية :
وهي تلك البحار التي يحيط بها يابس القارات بشكل يجعلها في داخله فتختلف بذلك عن البحار الخارجية ، وهذه البحار تكون ذات فتحات ضيقة ضحلة تصلها بالمحيطات فلا تتأثر كثيرًا بهذه المحيطات في درجة ملوحتها ودرجة حرارتها وتياراتها . ومن أمثلتها :
- البحر المتوسط الذي يحيط به يابس كل من أوروبا وآسيا وأفريقيا .
- البحر الأسود الذي يحيط به يابس كل من أوروبا وآسيا .
- البحر البلطي الذي يحيط به يابس أوروبا .
- البحر الأحمر الذي يحيط به يابس كل من أفريقيا وآسيا .
(جـ) بحار مغلقة :
وهي تلك البحار التي يحيط بها يابس القارات أيضًا ، ولكنها كما يدل عليها اسمها لا تتصل بالمحيطات فاختلفت عن البحار القارية أو الداخلية ، وهي في الواقع تشبه البحيرات . ومن أمثلتها : بحر قزوين ويحيط به يابس كل من أوروبا وآسيا ، وبحر آرال والبحر الميت وكلاهما في آسيا . وهذه البحار تتأثر بالأحوال والظروف المحلية في ملوحتها ودرجة حرارة مياهها وكائناتها الحية .
أسئلة عامة
1- كيف نشأت القارات والمحيطات ؟
2- ناقش مع الرسم توزيع اليابس والماء ؟
3- اشرح بشيء من التفصيل التوزيع الجغرافي للبحار والمحيطات ؟
4- ما أنواع البحار ؟ ووضح إجابتك بشيء من التفصيل ؟
5- قارن بين كل من المحيط الهادي والمحيط الأطلنطي من حيث :
- الموقع الجغرافي .
- المساحة .
- العمق .
6- ما أهمية توزيع اليابس والماء ؟
7- ناقش بشيء من التفصيل التوزيع الحالي لليابس والماء ؟
8- اذكر أهم البحار في القارات التالية :
قارة آسيا – قارة أمريكا الشمالية – قارة أوروبا .
المياه المالحة والمياه العذبة
تمثل المياه 70.8% من سطح الأرض ، حيث تتنوع بين مياه عذبة ومياه مالحة مختلفة الأشكال والصور والتوزيع .
المياه المالحة :
تمثل المياه المالحة 97% من إجمالي حجم المياه على سطح الأرض ، ولها صور متعددة :
1- المحيطات :
المحيطات هي تلك المسطحات المائية الشاسعة العظيمة الاتساع التي تتصل ببعضها البعض عن طريق فتحات واسعة ، وهذه الفتحات من شأنها أن تحدث نوعًا من التقارب والتشابه بين المحيطات في حرارة الماء وملوحته ، وتمتاز المحيطات كذلك بعمقها الكبير الذي يبلغ بضع كيلومترات ، كما تمتاز بتحرك المياه فيها على شكل تيارات بحرية تتجه اتجاهات خاصة ، ومن أجل هذا نجد أن الأنهار التي تصب فيها لا تكون دالات عادة إلا في حالات معينة كحالة المحيط الهندي .
2- البحار :
البحار هي مساحات مائية أصغر كثيرًا من المحيطات في اتساعها وأعماقها حتى أن بعضها يعد ضحلاً في جميع جهاته ، ومياه البحار عادة أهدأ من مياه المحيطات ، ولا نجد فيها تيارات كثيرة إلاًّ في حالة البحار المتنصلة بالمحيط بفتحات واسعة ؛ لأن هذه الفتحات تجعل بحارها تتأثر بالمحيط إلى حد كبير ، وبما أن البحار أقل عمقًا ، وأهدأ من المحيطات ، فإن كثيرًا من الأنهار التي تصب في البحار استطاعت أن تبني لنفسها دالات كبيرة ، وهذا يعد من أوده الخلاف بين البحار والمحيطات .
3- البحيرات :
البحيرة هي مسطح مائي عذب أو مالح يحيط به اليابس من جميع الجهات . وتعد البحيرات أقل المسطحات المائية الأخرى (كالبحار والمحيطات) مساحة ، وتغطي البحيرات مساحة تقدر بنحو 1.8% من جملة مساحة سطح الأرض ، ولكن أهمية الظاهرات الأرضية في الواقع لا يمكن قياسها بالحجم فحسب ؛ إذ أن بعض البحيرات لها من الأهمية المحلية بالنسبة للإنسان ما يفوق كل اعتبارات المساحة والعمق . فبعض البحيرات تستخدم كمصدر لمياه الشرب ومورد للماء اللازم في الصناعة ، وبعضها يمثل طرق سهلة للنقل أو مصايد مهمة للأسماك ، فضلاً عن كونها أماكن للترفيه والرياضة .
وهناك شرطان ضروريان لوجود بحيرة من البحيرات : أولهما : لابد من وجود حوض يمكن أن يتجمع فيه الماء ، وثانيهما : وجود مصدر للماء لملء ذلك الحوض كله أو جزء منه . ويشترط لكي تكون البحيرة عذبة وجود مجرى مائي يصب فيها Inlet ، وآخر يخرج منها ويصرف ماءها Outlet على أن يكون مستوى الحوض أدنى من مستوى المخرج حتى يستمر وجود البحيرة .
المياه العذبة :
تمثل 3% من حجم المياه على سطح الأرض ، ولها صور متعددة منها :
1- الأنهار Rivers :
تعد الأنهار من أهم الظواهر الجغرافية الرئيسية على سطح الكرة الأرضية ، فلا تخلو قارة أو حتى جزيرة من مجرى مائي (نهر) ، أو حتى وادٍ جاف يتفق حجمه مع اتساع مساحتها . والأنهار تعد أعلامًا من بين الأعلام الجغرافية المتعددة ، فلكل نهر شخصيته المتميزة بين بقية الأنهار .
والنهر River : هو مجرى مائي عذب ، يجري فوق سطح الكرة الأرضية في قناة متميزة الجوانب وهي المجرى . وهو يجري من مصدر المياه ، وهي المنبع وينتهي النهر على مصب عادة ما يكون البحر .
ويستمد النهر ماءه من الأمطار ، أو ذوبان الثلوج على قمم الجبال . ويجري النهر متدفقًا بقوة الجاذبية من أعلى إلى أسفل . وتعد الأنهار من أقوى عوامل التعرية في النحت والنقل والإرساب .
كيف تنشأ الأنهار ؟
(1) مجارٍ مائية صغيرة جدًّا ، وهي عبارة عن شروخ دقيقة ربما كانت أول تشكيل خطي واضح تقوم المياه الجارية بحفره على سطح الأرض .
حينما تسقط الأمطار أو تذوب الثلوج في جهة من الجهات المرتفعة فإن مياهها تنحدر على سطح الأرض ، وتكون مسيلات( ) غير محددة الجوانب ، ويتفق اتجاهها مع الانحدار العام لسطح الأرض . ولا تلبث هذه المسيلات أن تتجمع في مجارٍ مائية محدودة الجوانب صغيرة الحجم ، ثم تتلاقى هذه المجاري الصغيرة مكونة مجاري أكبر فأكبر حتى تكون في النهاية مجاري رئيسية تحمل المياه ، وتلقي بها في بحر مفتوح مثل نهر النيل ، أو في محيط مثل نهر الكونغو (زائير) ، وقد يحدث أن يصب النهر في بحيرة أو بحر داخلي مثل نهر آموداريا وسيرداريا اللذين يصبان في بحر آرال . وقد يصب في مستنقع ملحي مثل نهر تاريم ، الذي يصب في مستنقع لوت فور في قارة آسيا .
وبعد أن عرفنا عزيزي القارئ المقصود بالنهر يجدر بنا أن نتعرض لدراسة بعض المفاهيم الجغرافية المرتبطة بالنظام النهري .
مجرى النهر : هو المنخفض الذي يجري فيه ماء النهر بالفعل بين ضفتين ، ويطلق عليه بعض الجغرافيين اسم القناة النهرية .
رافد النهر : هو الذي يغذي أو يزود النهر بالمياه مثل : النيل الأزرق ونهر عطبرة ونهر السوباط والتي تعد روافد لنهر النيل .
2- البحيرات :
والبحيرات إما طبيعية أو صناعية ، والبحيرات الأخيرة عبارة عن خزانات للمياه تستخدم لأغراض الشرب أو الري أو لتوليد الطاقة .
والبحيرات الطبيعية هي التي تتصل بأنظمة نهرية عذبة المياه ، ولكن في حالة عدم ملوحتها . كما أن البحيرات هي مظاهر مؤقتة لسطح الأرض ؛ إذ أن مصيرها القريب أو البعيد هو الزوال نتيجة لعمليات الإرساب .
وتتميز سواحل البحيرات وأبعادها بتغيرها من فصل إلى آخر ، ومن عام إلى آخر تبعًا لظروف المناخ السائد في منطقة البحيرة ، وتنوع مصادر مياه البحيرة وطبيعة فقدان البحيرة لبعض مياهها . ومعظم بحيرات العالم تتغير سواحلها من فصل إلى آخر تبعًا لتعرضها لفعل التبخير ، حيث تزداد مساحتها أثناء فصل التساقط أو ذوبان مياه الثلج المتجمعة فيها ، وتنكمش أبعادها خلال فصل الجفاف . وزيادة مساحة البحيرة أو انكماشها وتنوع الخصائص الطبيعية والكيميائية لمياهها إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تغير الظروف المناخية للإقليم الذي تقع فيه البحيرة .
وتتميز البحيرات في أنها مناطق عديدة على سطح الأرض ، فهي تظهر في البيئات المدارية والمعتدلة والباردة على حد سواء ، حيث تتكون في الأولى بفعل الأمطار وفي الأخيرة بفعل الجليد . كما أنها توجد على أية مناسيب على سطح اليابس .
3- الينابيع :
تندفع المياه الجوفية أحيانًا بشكل طبيعي من خزاناتها الطبيعية aquifers أو من الطبقات الصخرية الحاوية لها لتظهر على سطح الأرض في شكل ينابيع تحتوي مياهها في بعض الأحيان على نسبة غير قليلة من العناصر المعدنية أو الكبريتية التي أذابتها المياه الجوفية عند تحركها رأسيًّا إلى أعلى خلال التكوينات الصخرية التي ترتفع فيها مثل هذه العناصر المعدنية ، وتعمل المياه الجوفية المندفعة إلى سطح الأرض في شكل ينابيع على تكوين مجار مائية ضحلة في بعض الأحيان ، وتتباين مثل هذه المجاري من حيث الطول والتصريف المائي تبعًا لمستوى تدفق المياه من جوف الأرض ، ويرجع الانبثاق الطبيعي للمياه الجوفية وظهورها على سطح الأرض في شكل ينابيع إلى عدد من العوامل نوجزها فيما يأتي : (شكل رقم 16) .
( أ ) ميل التكوينات الصخرية الصماء التي ترتكز عليها التكوينات المسامية الحاملة للمياه الجوفية بشدة ، وتكوينها لحافات صخرية في اتجاه ميل الطبقات تبدو على سطح الأرض ، وتتكون الينابيع في هذه الحالة ، حيث تندفع المياه الجوفية ذاتيًّا تحت أقدام الحافات الصخرية المشار إليها ، ويمثلها عدد كبير من الينابيع المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في نطاق مرتفعات الأبلاش بولاية بنسلفانيا ، وفى شمالي إيطاليا عند المقامات الجنوبية لمرتفعات الألب .
(ب) قطع بعض الأودية الأخدودية العميقة لطبقات صخرية مسامية حاملة للمياه الجوفية مما ينتج عنه اندفاع المياه الجوفية في شكل ينابيع عند نقاط التقاء الحوائط أو الحافات العليا لجانبي الوادي الأخدودي العميق بالطبقة الأرضية الحاملة للمياه الجوفية. ويمثلها الينابيع المنتشرة في بعض المواقع على طول امتداد الأخدود العظيم لنهر كلورادو في ولاية أريزونا الأمريكية (حوالي 448 كيلومترًا) والذي تجاوز عمقه في بعض المسافات 1.6 كيلومتر .
(جـ) حدوث فوالق أو شقوق أو شروخ في تكوينات صخرية مسامية حاملة للمياه الجوفية ترتكز فوق تكوينات صخرية صلبة غير منفذة للمياه مما يؤدي أحيانًا إلى تغير ترتيب الطبقات المشار إليها ، والتي كانت متعاقبة وأصبحت في مستوى واحد تقريبًا وهو وضع يعمل على حجز التكوينات الصلبة للمياه الجوفية والضغط عليها ورفع منسوبها ؛ لذلك تنبثق إلى سطح الأرض في شكل ينابيع على طول امتداد الفوالق والشقوق ، ويمثلها العديد من الينابيع الواقعة في نطاقي مرتفعات الأبلاش والكورديليرا في أمريكا الأنجلوسكسونية .
( د ) اعتراض سد صخري مندفع رأسيًّا من أسفل إلى أعلى واعتراضه للطبقات الأرضية الحاملة للمياه الجوفية مما يسهم في حجزه للمياه ، وبالتالي رفع منسوبها وتكوينه لخزان طبيعي aquifers تندفع منه المياه ذاتيًّا إلى سطح الأرض مكونة للينابيع .
(هـ) ظهور مسافات من مجاري المياه الجوفية التي تتكون وتجري خلال الطبقات الأرضية؛ أي في باطن التكوينات الصخرية فوق سطح الأرض في شكل ينابيع تتدفق منها المياه طبيعيًّا على سطح الأرض .
4- النافورات الحارة :
تتشابه إلى حد بعيد مع الينابيع من حيث ظروف التكوين وإن اختلفت عنها في غزارة تدفق المياه الجوفية خلال قصبة النافورة ، واندفاعها إلى أعلى لعدة أمتار بتأثير عامل الضغط الهيدروستاتيكي ، حيث تتسرب المياه الجوفية أحيانًا خلال فتحات للفوالق والشروخ تمتد رأسيًّا لمسافات تقدر بآلاف الأقدام إلى أعماق بعيدة عن مستوى سطح الأرض تتصف بسخونتها الشديدة ، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه الحارة خلالها والتي تندفع بعد ذلك عن طريق الضغط الهيدروستاتيكي خلال شق أرضي يمثل قصبة النافورة والتي تؤدي في حالة غزارة تدفق المياه منها إلى تكوين بحيرات أو نطاقات مستنقعية متباينة المساحة حولها تتسم بسخونة مياهها .
ويتوقف شكل وطبيعة اندفاع المياه الجوفية من النافورات الحارة على عاملي حجم المياه والغازات الموجودة في الطبقات الأرضية ، والاختلاف بين منسوب كل من فوهة النافورة الحارة ومصدر مياهها . ففي حالة وفرة المياه الجوفية وغزارة كمياتها بحكم تغذيتها المستمرة تندفع المياه والغازات من النافورات الحارة بصورة مستمرة ودون انقطاع، والعكس صحيح حيث توجد أنواع أخرى من النافورات الحارة تتصف بتدفق المياه منها خلال فترات متقطعة .
وإذا كانت فوهة النافورة الحارة أعلى منسوبًا من مصدر مياهها فإن المياه الجوفية تندفع منها خلال فترات متقطعة أيضًا فعند تناقص كمية المياه الجوفية في الطبقات أو الشقوق ، التي تشكل خزانًا للنافورة تتناقص المياه في قصبتها وتتفاعل مع التكوينات الأرضية شديدة السخونة مما ينتج عنه تكون كميات هائلة من الغازات والأبخرة ، التي تسهم في تزايد الضغط الهيدروستاتيكي ، وبالتالي تندفع المياه الجوفية مرة أخرى إلى سطح الأرض . وفي حالة انخفاض منسوب فوهة النافورة عن مستوى مصدر مياهها تندفع المياه الجوفية من النافورة بصورة مستمرة .
وتتحول أحيانًا المياه الجوفية الساخنة المندفعة في قصبة النافورة إلى غازات وأبخرة بصورة تدريجية تتفق وتنتقص قوى الضغط الهيدروستاتيكي مما يؤدي إلى اندفاع الغازات والأبخرة من فوهة النافورة ، وبالتالي لا تصل المياه إلى سطح الأرض حتى تتجمع المياه بكميات كبيرة في خزان النافورة الجوفي ، وتشتد قوى الضغط الهيدروستاتيكي بفعل تزايد الأبخرة والغازات في القصبة لتندفع المياه الجوفية إلى سطح الأرض مرة أخرى ، وتستمر حتى تتناقص قوى الضغط الهيدروستاتيكي ليتوقف اندفاعها لبعض الوقت لتعاد الدورة مرة أخرى وهكذا .
5- الآبار الارتوازية :
يرجع أصل تسمية هذه الآبار «بالارتوازية Artesian» إلى إقليم أرتوا Artois الزراعي في شمالي فرنسا (يحدث مضيق دوفر من جهة الشمال) ، والذي يعد أول إقليم أوروبي تحفر فيه مثل هذه الآبار وكان ذلك عام 1126 م .
وهي عبارة عن آبار تدق في التكوينات الصخرية للوصول إلى طبقة المياه الجوفية ، والتي يتباين بعدها عن سطح الأرض ، وبالتالي يتباين عمق البئر الارتوازي تبعًا لعدة عوامل يأتي في مقدمتها : مستوى انحدار التكوينات الجيولوجية الحاوية على المياه الجوفية، أشكال سطح الأرض ومدى تضرسه ، بالإضافة إلى عامل المسافة الرأسية الفاصلة بين مستوى طبقة المياه الجوفية ومنسوب سطح الأرض (شكل رقم 17) .
وتندفع المياه الجوفية إلى أعلى خلال قصبة البئر بتأثير الضغط الهيدروستاتيكي (حيث توجد الآبار الارتوازية عادة في نطاقات يطلق عليها اسم «الأحواض الارتوازية» تتخذ خزانات المياه الجوفية بنطاقاتها شكل الثنيات المقعرة) ؛ لتظهر على سطح الأرض . ورغم أن الآبار الارتوازية تشكل مظهرًا بشريًّا - من فعل الإنسان - إلا أن معدل تصرفات مياهها ومدى استمرارية تدفقها تتوقف على خصائص الخزانات الطبيعية للمياه في جوف الأرض .
جميــــــــع الحقـــــــــوق محفــــــــوظة للدار المصريـــــــــة اللبنانيـــــة
www.fekrasoft.com  تصميم وتنفيذ الموقع