 |
نشأة المسيحية :
|
|
|
دخلت المسيحية إلى مصر في منتصف القرن الأول الميلادي ، في الوقت الذي كان فيه
المصريون يعانون الكثير من الضغوط الاقتصادية ومن القهر والإذلال . كذلك دخلت في
وقت كانت فيه أفكار الناس حائرة بين عشرات المعبودات التي قدمتها لهم الديانات
المصرية واليونانية والرومانية.
|
|
|
ولذا أقبل المصريون على اعتناق الدين الجديد عندما وجدوا فيه خلاصًا لهم من واقعهم
المضطرب .
|
|
 |
الاضطهاد الروماني للمسيحيين :
|
|
|
لقد كانت روما متسامحة مع الأمور الدينية ، فقد كان الحكام الرومان يتركون
لرعاياهم حرية الشؤون الدينية ، وقد ظلت المسيحية تتمتع بهذه الحرية ، ولم يفرق
الرومان بين اليهودية وبين المسيحية ، ولم يحاول الرومان استئصال أية عبادة جديدة
إلَّا عندما تتعارض مع سياسة الدولة ؛ حيث كان الولاء العام لدين الدولة الرسمي هو
الرباط القوي الذي يربط بين أجزاء إمبراطورية تضم عددًا من العناصر والأجناس تختلف
أصلاً ولغة وثقافة .
|
|
|
ولذا فقد كانت وحدة الإمبراطورية أمرًا ضروريًّا لهم ، وكذلك كان الولاء لروما
وللإمبراطور هو الذي يعبر عن هذا . ولذا كان لابد من أن يقدم الناس قرابين
للإمبراطور باعتباره إلهاً ، وهذا الأمر لا يتفق مع العقيدة المسيحية ، فقد كان
المسيحيون لا يمارسون شعائر الديانة الرسمية ، ولا يقدسون صور الأباطرة ، ولذا كان
لابد من الصدام بين المسيحية وبين الإمبراطورية الرومانية ، التي رأت في الدعوة
المسيحية هدفاً لقيام دولة داخل دولة فكان الاضطهاد الروماني للمسيحيين .
|
|
|
ولقد اضطهد الرومان السيد المسيح وهو ينشر تعاليمه ، كما أعدموا أتباعه .
|
|
|
ولقد تعرض المسيحيون المصريون للاضطهاد من قبل الرومان ابتداء من عهد الإمبراطور
نيرون عام 64 /68م ، والإمبراطور تراجان عام 98م ، وكذلك الإمبراطور سبتموس سيفروس
عام 193م .
|
|
|
أما في عهد الإمبراطور ديكيوس ، فقد أصدر مرسوماً في عام 250م قضى فيه بضرورة أن
يقدم كل فرد إلى السلطات المحلية قرباناً إلى الآلهة الوثنية ، ثم حصوله بعد ذلك
على شهادة تثبت ذلك ، ومن رفض تبين أنه مسيحي وتعرض للاضطهاد .
|
|
|
ولقد تعرض المسيحيون المصريون لأكبر اضطهاد في عهد الإمبراطور دقلديانوس عام 284م
– 305م . فدمرت الكنائس ، وأحرقت الكتب السماوية ، والكتب الدينية ، وكثر عدد
الشهداء من المسيحيين ، وكان ذلك أعنف اضطهاد تعرض له المسيحيون في مصر حتى أن
الكنيسة القبطية في مصر والحبشية تؤرخ الأحداث بذلك العصر [عصر الشهدداء 284م] .
|
|
|
استمر الاضطهاد ولم ينته إلا بعد تولي الإمبراطور قسطنطين الحكم عام 323 – 337م ،
فاعترف بالمسيحية دينًا رسميًّا للدولة وذلك في مرسوم ميلان عام 313م ، في مجمع
نيقية عام 325م ، حيث أقر فيه المبادئ الأساسية للدين المسيحي . وفي عهد هذا
الإمبراطور أيضا نقل عاصمة الدولة من مدينة روما ، إلى مدينة بيزنطة التي إنشائها
على بحر مرمرة ، سميت بعد ذلك باسم القسطنطينية ليبدأ عصرا جديد وهو الإمبراطورية
البيزنطية ، استمر ذلك الوضع حتى الفتح العربي الإسلامي على يد «عمرو بن العاص»
|
|
|
دور مدينة الإسكندرية في نشر المسيحية :
|
|
|
انتشرت المسيحية انتشارًا سريعًا ، وازداد عدد المنضمين إليها ، فكان من الضروري
أن يوضع التعليم المسيحي على أسس منهجية منظمة .
|
|
|
ومن هنا جاء التفكير في تأسيس مدينة الإسكندرية للتعليم المسيحي على يد القديس
مرقص الرسول ، وذلك في منتصف القرن الأول الميلادي .
|
|
|
وكانت هذه المدرسة من أهم مدارس التعليم اللاهوتي ، وتخرج منها العديد من الأساقفة
والبطاركة .
|
|
|
ولقد أعطت هذه المدرسة لبطاركة الإسكندرية مركز الزعامة الفكرية والعلمية في
العالم المسيحي كله ، فلا أدل على ذلك من أن قانون الإيمان المسيحي الذي تعترف به
كل الكنائس المسيحية وضعه وصاغه اثنا سيوس السكندري .
|
|
|
كما اشتهرت كنيسة الإسكندرية باعتبارها من الكنائس الأربع الكبرى .
|
|
|
وقد أدَّت هذه المدرسة دورًا في تعليم الطب والجراحة والتشريح والكيمياء والصيدلة
والهندسة والفلك ، وصناعة الورق ، بالإضافة إلى ازدهار الإنتاج الأدبي من حركة
ترجمة ومنها ترجمة الكتاب المقدس وكتابة القصص ، وسير القديسين ، وأقوال آباء
الرهبنة .
|
|
|
وقد نجحت مدرسة الإسكندرية للتعليم المسيحي ، في حين لم يكن لها بناء خاص ولا
مكتبة خاصة ، وإنما كان أساتذتها يلقون دروسهم في منازلهم ، أو في قاعات
يستأجرونها لهذا الغرض ، وكان الطلبة والأساتذة يذهبون إلى مكتبة الإسكندرية
العامة للاطلاع والقراءة .
|
|
|
ولم يختلف الفن في هذه الفترة عن الفن الفرعوني ولا اليوناني ولا الروماني ، فقد
احتفظ الفن القبطي بكثير من التقاليد والعادات المصرية القديمة .
|
|
|
ونجد شواهد على هذا الفن في الكنائس والأديرة ، كذلك نجد بعض الأدوات التي كانت
تستخدم في الكنائس ، وأدوات استخدمت في المنازل أو الحقول أو الصناعة ، وهي محفوظة
في المتحف القبطي بمصر القديمة ، وفي الكنائس والأديرة .
|
|
|
|
|
لقد نشأت الرهبنة في مصر ، ثم انتشرت إلى أنحاء العالم ، فقد كان المصري بطبيعته
يميل إلى التدين والعزلة ، ولذا اندفع المسيحيون المصريون إلى الصحراء بدافع من
الروحانية ، ومع انتشار المسيحية في مصر بدأت مظاهر النسك والزهد تنتشر .
|
|
|
ولقد أدت الأديرة دورًا مهمًّا في حركة الثقافة ، وذلك عندما ضعف الدور الذي تؤديه
مدرسة الإسكندرية للتعليم اللاهوتي في نهاية القرن السادس الميلادي ، انتقل هذا
الدور إلى الأديرة ، التي كانت مركزًا تربويًّا عظيماً للعلوم اللاهوتية .
|
|
|
وقد اعتبرت الأديرة هي مخازن العلوم والمعرفة فازدهر التأليف والترجمة ، وكذلك
تفسير الكتب المقدسة ، ونسخ المخطوطات .
|
|
|
كذلك كان لها دورها الاجتماعي في تعليم الناس الزهد والتقشف .
|
|
|
|
|
كلمة قبطي [تعني مصري] ، حيث كان يطلق على المصريين كلمة أقباط [مصريين] ، وهي
مشتقة من الكلمة اليونانية [ايجبتوس] التي كانت تعني مصر عند اليونانيين .
|
|
|
أما اللغة القبطية ، هي اللغة المصرية القديمة في مراحلها الأخيرة حيث كانت اللغة
الديموطيقية تدون بحروف يونانية .
|
|
 |
مصر تحت الحكم البطلمي:
|
|
|
تمتعت مصر بثروات متعددة جعلتها مهدًا للحضارات ، بل لفتت أنظار الطامعين إليها
حتى أصبحت كل دولة تنشد بناء إمبراطورية أن تتجه لمصر .
|
|
|
|
|
تقع مقدونيا في شمال شرق اليونان ، وقد استطاع ملكها فيليب أن يجعل منها دولة
عسكرية تفرض سيادتها على جميع المدن اليونانية ، ويوحدها في دولة واحدة لأول مرة
في عام 338ق.م.
|
|
|
كذلك كان يهدف إلى القضاء على الإمبراطورية الفارسية ، وبذلك يحقق زعامة مقدونيا
على العالم ، ولكنه قتل قبل أن يحقق حلمه في عام 336ق.م.
|
|
|
وقد خلفه ابنه الإسكندر على عرش مقدونيا وهو في سن العشرين .
|
|
|
الإسكندر الأكبر وفتح مصر :
|
|
|
يعتبر الإسكندر الأكبر من أعظم شخصيات التاريخ ، ولد ونشأ في عام 356ق.م؛ أي في
منتصف القرن الرابع قبل الميلاد ، ويبدو أن الإسكندر كان معدًّا للقيام بدوره
التاريخي ، فورث عن والده حدة العقل ، كما دربه على إدارة حكم البلاد .
|
|
|
كما تلقى دراسته على يد الفيلسوف أرسطو ، ولذا نشأ محبًّا للحضارة الإغريقية .
|
|
|
وعندما تولى عرش مقدونيا ثارت عليه المدن اليونانية ، حيث كانوا يعتقدون أن
الإسكندر شاب صغير لا تتوافر لديه قوة فيليب ولا خبرته ، كما أنها فرصة للتخلص من
الحكم المقدوني ، وقد تزعمت مدينة طيبة ثورة الإغريق ضد مقدونيا . فسار إليها
الإسكندر واستولى عليها وقرر أن يجعل منها عبرة لكل اليونانيين ، فدمر المدينة عن
آخرها ، وأمر بقتل سكانها ، ومن لم يقتل تم بيعه في الأسواق ، وبذلك خشى
اليونانيون منه بعد أن عرفوا أنهم أمام شخصية قوية لا يمكن الاستهانة بها ، فلم
يسببوا له أي متاعب بعد ذلك وطلبوا عقد هدنة معه .
|
|
|
وهكذا استطاع الإسكندر خلال عامين أن يسيطر على الموقف في بلاد اليونان ، فبعد أن
هدأت الأحوال في مقدونيا وكذلك بلاد اليونان قرر الإسكندر القيام بالحملة التي كان
يتأهب والده للقيام بها ضد الإمبراطورية الفارسية وكان سبب هذه الحروب هو العداوة
بين الفرس والإغريق من جهة ، والمهانة التي عرفها الإغريق على يد الفرس من جهة
أخرى . كذلك تحقيقًا لحلم الإسكندر ببناء إمبراطورية واسعة تبدأ من مقدونيا وتنتهي
بحدود الهند .
|
|
|
وقد بدأ اجتياح الإسكندر للإمبراطورية الفارسية في عام 334ق.م. فعبر الدردنيل،
وهزم الجيش الفارسي عند نهر جرانيكوس في آسيا الصغرى ، ثم اجتاح بقية آقاليم آسيا
واستولى عليها وقد واصل الإسكندر سيره واستطاع أن يهزم الملك الفارسي دارا الأول
في مدينة (إيسوس) طرسوس الحالية ، وقد رفض ما عرضه عليه الملك دارا من نزوله عن
الجزء الغربي من إمبراطوريته حتى نهر الفرات .
|
|
|
بعد هذه الموقعة لم يواصل الإسكندر حربه مع الملك الفارسي دارا الذي فر إلى الشرق
، ولكنه اتجه جنوبًا للاستيلاء على سوريا وفينقيا وفلسطين ومصر .
|
|
|
والسبب الذي دعى الإسكندر للاتجاه جنوبًا هو أن يقوم بالاستيلاء على قواعد الأسطول
الفارسي في البحر المتوسط كما أن استيلائه على مصر – التي هي من أهم مصادر الغلال
في العالم القديم – يضمن لجيشه مصدرًا غنيًّا لتمويل جيشه بالغلال .
|
|
|
بدأ الإسكندر زحفه جنوبًا فاستولى على مدينة صور في عام 332ق.م. بعد مقاومة عنيفة
، ثم واصل سيره إلى مدينة غزة وأصبح على مشارف مصر .
|
|
|
|
|
في خريف عام 332ق.م وصل الإسكندر إلى مدينة بيلو زيوم [تل الفرما حاليا شرق
بورسعيد] ، وهي بوابة مصر الشرقية ، مدعمًا بأسطول بحري كبير .
|
|
|
|
|
وقد سارع الوالي الفارسي بالاستسلام للإسكندر ، كما رحب به المصريون ترحيباً
حارًّا ؛ لاعتقادهم أنه جاء ليحررهم من الاحتلال الفارسي الذي انتهك حرمة الديانة
المصرية ، وأذلهم في المعاملة وفرض الضرائب عليهم .
|
|
|
- ولم يدركوا أن قدوم الإسكندر كان بغرض فرض السيادة والبقاء الطويل – وكان أيضًا
ترحيبهم لمعرفتهم بعادات الإغريق الذين كانوا يعملون كجنود مرتزقة داخل الجيش
الفرعوني منذ عهد الأسرة السادسة والعشرين – كان الإغريق يسكنون مدينة نقراطيس .
|
|
|
ولكي يرضى الإسكندر المصريين فقد حرص على إظهار احترامه للديانة المصرية فزار معبد
الإله بتاح في منف . وفيها أيضا أقام مهرجانًا رياضيًّا على الطريقة الإغريقية .
وقد حرص الإسكندر في هذا المهرجان أن يبين أنه رافع لواء الحضارة الإغريقية ، كما
أنه أعلن للمصريين وللجميع دخول الحضارة الإغريقية لتكون توأمًا للحضارة المصرية ،
وقد عرفت هذه الحضارة فيما بعد بالحضارة الهلينستية .
|
|
|
|
|
في أثناء سير الإسكندر بمحاذاة شاطئ البحر المتوسط ، لفت انتباهه قرية صغيرة
يسكنها الصيادون تسمى راقودة ، وتقع قبالتها في البحر جزيرة تسمى فاروس فأعجب بهذا
الموقع ، وقرر اختياره لإقامة مدينة تحمل اسمه ، وتنافس مدينة صور الفينقية ،
وتكون أيضا أحد مراكز الإشعاع الحضاري الإغريقي في العالم . وتكون قاعدة بحرية
تدعم سيطرته على بحر إيجة ، وقد عهد إلى المهندس «دينوكراتيس» مهمة تخطيط المدينة
، وقد أقام جسرًا يربط بين جزيرة فاروس وبين قرية راقودة ، ولم يكن يدور في ذهن
الإسكندر عندما قرر إقامة مدينة الإسكندرية ، أن يجعل منها عاصمة لمصر ، بل كان
الرجال الذين عينهم الإسكندر لإدارة البلاد يمارسون مهامهم من منف ، ولم تصبح
الإسكندرية عاصمة لمصر إلا في عهد بطلميوس بن لاجوس في عام 320ق.م.
|
|
|
* وقد قسمت مدينة الإسكندرية إلى خمسة أحياء حملت الحروف الأولى للأبجدية
اليونانية .
|
|
|
ثم زار بعد ذلك معبد الإله آمون في واحة سيوة ، وتوج على الطريقة الفرعونية ، حيث
اعتبره الشعب والكهنة ابن الإله آمون .
|
|
|
مكث الإسكندر عامًا واحدًا في مصر ، وقد حرص على بقاء النظم الإدارية فيها كما
وضعها الفراعنة ، لم يحدث بها تغيير سوى أنه عهد للإغريق بإدارة النواحي المالية ؛
فعين شخصًا يدعى «كليومينيس النقراطيسي» على رأس هذه الإدارة ، وقد أبقى منف عاصمة
مصر .
|
|
|
أما من الناحية الإدارية فقد قسم مصر قسمين هما : الوجه البحري ، والوجه القبلي ،
وجعل على كل قسم منها حاكمًا من أبناء البلاد .
|
|
|
بعد أن فرغ من تنظيم أحوال مصر غادرها في عام 321ق.م متجهًا إلى مدينة صور تمهيدًا
للزحف إلى قلب الإمبراطورية الفارسية .
|
|
|
وفي العام نفسه أنزل الإسكندر بالملك الفارسي «دارا الأول» هزيمة فاصلة في موقعة
«جاو جميلا» ، ثم واصل زحفه على ولايات آسيا ، ووصل حتى نهر السند في الهند.
|
|
|
وعند هذا الحد تمرد جيش الإسكندر ، وطالبوه بالعودة ، وفي أثناء عودتهم أصيب
الإسكندر بالحمى – في بابل – وقد توفي في العاشر من يونيو عام 323ق.م ، ولم يكن
يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره وقد دفنه «بطلميوس بن لاجوس» أحد قواده في مصر .
|
|